التجارة الخارجية بين الدول

ولبيان كيف يمكن الاعتماد على عامل تشابه الدخل أو التفضيل في تفسير قيام التجارة الخارجية بين الدول، يقيم ليندر نظريته على أن توافر الشرطين التاليين يعد أمرا ً ضروريا ً لقيام التجارة الخارجية في السلع الصناعية:
1 يعتبر وجود طلب داخلي Internal demand شرطا ً ضروريا ً( وإن لم يكن كافيا ً) لكي تدخل أي سلعة صناعية في نطاق الصادرات. مفاد ذلك أن أي سلعة لابد وأن تنتج وتستهلك في الداخل قبل أن تتحول إلى سلعة تصديرية. فصادرات أي دولة تعتبر امتداداً طبيعياً للإنتاج والاستهلاك من أجل السوق الداخلي، حيث يتواجد طلب من جانب الغالبية من السكان.

 

ويكمن هذا الشرط وراء الحقية القائلة بأن قرارات المنتجين من أجل تحقيق أقصى ربح ممكن تتخذ في ضوء الفرص المتاحة بالسوق الداخلي، حيث يكونون على علم بها.

 

أما في حالة الصادرات فإن المنتجين يهابون الأسواق الدولية نظرا ً لعدم كمال المعرفة بأحوال وتغيرات هذه الأسواق.

 

معنى ذلك أن معرفة المنتجين بفرص الربح امتاحة تكون أكبر في حالة السوق الداخلي عنه في حالة الأسواق الخارجية.

 

ومع الإنتاج والاستهلاك من أجل السوق الداخلية تتوالد الميزة النسبية التي تؤهل السلعة محل الدراسة إلى الدخول بعد مضي الزمن في عداد السلع التصديرية.

 

2 والشرط الثاني – وهو وثيق الصلة بالشرط الأول – يتلخص في تجارب تكوين المنتج لبلد معين مع هيكل الطلب الداخلي، حيث تتجه الأسعار النسبية لهذه المنتجات إلى الانخفاض.
في ضوء هذين الشرطين يمكن القول بأن نظرية ليندر تتخذ من الطلب محددا ً أساسياً للصادرات الصناعية.

 

ولما كان الطلب يعتمد على دخل الفرد في المتوسط فإنه يمكن وصف الدول الصناعية المتقدمة بتشابه هيكل الطلب الداخلي بها نظرا لتقارب مستويات الدخول الفردية في هذه الدول.

 

لذلك تستنج هذه النظرية العلاقة الدالية بين طثافة التجارة الخارجية في المنتجات الصناعية وهيكل الطلب الداخلي في الدول الصناعية المتقدمة.

 

فتشابه هياكل الطلب الداخلية في الدول ينعكس في صورة ارتفاع كثافة التجارة الخارجية في المنتجات الصناعية المنتمية إلى إقليم اقتصادي معين كنتيجة لتشابه مستويات الدخول الفردية بين هذه الدول.

 

أما إذا تباينت ظروف وهياكل الطلب الداخلية فإن ذلك ينعكس في صورة انخفاض كثافة التجارة الخارجية بين الدول.

 

ولكا كانت الدول الصناعية المتقدمة متشابهة في مستويات الدخول الفردية، فإن ذلك يشجع على قيام التجارة الخارجية بين الدول الصناعية المتلقدمة في المنتجات، حيث تعتبر بنودا في كل من صادرات وواردات هذه الدول.

 

وكنتيجة لتباين مستويات الدخول الفردية بين الدول الصناعية المتقدة في جانب والدول النامية في جانب أخر تنخفض درجة كثافة التجارة الخارجية بين هاتين المجموعتين من الدول: يعتمد التفسير الأول منها على التشابه في هيكل الطلب مقاسا ً بدخل الفرد في المتوسط، ويشرح قيام التجارة الخارجية بين الدول الصناعية المتقدمة.

 

أما التفسير الثاني فيعتمد على التباين في هيكل الطلب مقاساً بدخل الفرد في المتوسط، ويقدم تفسيرا ً للتجارة الخارجية بين الدول الصناعية المتقدمة والدول النامية.

 

وهذه خطوة أخرى سلكتها نظرية ليندر نحو تفسير أكثر اقترابا من حقائق الاقتصاد العالمي متمثلاً في التفرقة بين مشكلات التجارة الخارجية للدول المتقدمة ومشكلات التجارة الخارجية للدول النامية.

 

ولقد حاول عدد من الاقتصاديين في مقدمتهم هوفباور G. C. Hufbauer  ولينيمان H. Linnemann اختبار علاقة الارتباط الموجبة بين كثافة الخارجية وتشابه هياكل الطلب الداخلية، وهى العلاقة التي توصلت إليها نظرية ليندر.

 

غير أن هذين الكاتبين لم يتمكنا من خلال دراساتهما التطبيقية إثبات هذه العلاقة. وهو ما يفقد نظرية ليندر مقدرتها على تفسير الواقع الاقتصادي رغم احتوائها على عناصر جديدة تميزها عن كل من النظرية الكلاسيكية ونظرية هكشر – أولين.

 

ويفسر كُتاب النظرية التكنولوجية في التجارة الخارجية، وفي مقدمتهم هيرش S. Hirsch، هذا التناقض بين نظرية ليندر وحقائق الواقع الاقتصادي بأن هذه النظرية الأخيرة تحتوي على عناصر يمكن الاعتماد عليها في  تفسير التجارة الخارجية في سلع دورة المنتج أو السلع المتقدمة تكنولوجيا أكثر من اعتبارها نظرية تقدم بديلاً كاملاً لنظرية هكشر – أولين.

 

ومن هنا يتضح أن نظرية ليندر لا تقدم تفسيرا ً متكاملا ً لكافة قطاعات التجارة الخارجية، وإنما إلى إحداها فقط، وهي التجارة الخارجية في المنتجات الصناعية غير النمطية.

 

وعلى نحو ما سوف نرى عند دراستنا للمناهج التكنولوجية، فإن هذا التفسير الذي قدمته نظرية ليندر يمكن غدماجه مع عناصر هذه النظري لتطوير وتعديل نظرية هكشر – أولين لجعلها أكثر واقعية وأكثر قدرة على تفسير ظواهر الاقتصاد العالمي.

 

وفي مقابل المناهج الثلاث السابق شرحها – والتي تهدف إلى هدم نظرية هكشر – أولين لنسب عناصر الإنتاج وتقديم تفسيرات نظرية بديلة لها – توجد ثلاث نظريات بديلة أخرى تسعى كل منها إلى محاولة تعديل وتطويع نظرية هكشر – أولين لجعلها أكثر ملاءمة وانطباقا على ظواهر العالم الاقتصادي الواقعي من خلال إحداث تعديلات جوهرية في الفروض المقيدة لنظرية هكشر – أولين، وبالتالي من تعديل النتائج التي توصلت إليها هذه النظريات الثلاث تتفق مع نظرية هكشر – أولين لنسب عناصر الإنتاج في وجوب الاعتماد على تفسير أسباب قيام التجارة الخارجية من خلال العوامل المتعلقة بجانب العرض، وهي لذلك لا تذكر الدور الذي يضطلع به عامل نسب كميات عناصر الإنتاج في اختلاف المزايا النسبية الطبيعية، وبالتالي قيام التجارة الخارجية بين الدول.

 

غير أن نقطة الاختلاف الجوهرية بين نظرية هكشر – أولين وبين هذه النظريات اللاث تنحصر في وجود مصادر أخرى لاختلاف المزايا النسبية المكتسبة يمكن إجمالها فيما يلي:

1 عنصر رأس المال الإنساني أو البشري، وهو ما يعرف أيضا ً بالأيدي العاملة الماهرة.

 

2 اقتصاديات الحجم أو وفورات الإنتاج الكبير.

 

3 البحوث والتطور التكنولوجي.

 

ويميل البعض إلى تسمية هذه النظريات الثلاث باسم نظريات هكشر – أولين الجديدة. ومن هذه النظريات ما يتفق مع نظرية هكشر – أولين في منهاج التحليل الاستاتيكي المقارن، مثل نظرية نسب عناصر الإنتاج الجديدة القائمة على افتراض أن عنصر العمل الماهر أو رأس المال الإنساني يشكل أحد عناصر الإنتاج الرئيسية التي لا يمكن تجاهلها عند تحليل قيام التجارة الخارجية بين الدول.

 

أما النظريتان الأخيرتان فتتخذان من منهاج التحليل الديناميكي قاعدة لها، وتسلط الأضواء على دور اقتصاديات الحجم، والبحوث والتطور، والفجوة التكنولوجيى ةدورة المنتج باعتبارها عناصر جديدة وهامة لا يمكن إغفالها عند محاولة تقديم تفسير واقعي للتجارة الخارجية.

 

فهي بذلك تحاول المزج بين العناصر الاستاتيكية التي تحتويها نظرية هكشر – أولين القديمة وبين العناصر الديناميكية التي تشكل جوهر التبادل التجاري بين الدول في عالم اليوم.

 

هاتان النظريتان هما: نظرية اقتصاديات الحجم، والنظرية التكنولوجية. وفيما يلي نقدم تحليلا ً مختصرا ً لمحاولات هذه النظريات الثلاث لتطعيم نظرية هكشر – أولين بفروض وعناصر أكثر واقعية وملاءمة لخصائص الاقتصاد العالمي

أضف تعليق

كود امني

تجربة رمز تحقق جديد

البحث