المناهج التكنولوجية في التجارة الدولية

تحليل المناهج التكنولوجية في التجارة الدولية

طبيعة المناهج التكنولوجية:
لعله من المفيد في مستهل تحليلنا للمناهج التكنولوجية في الاقتصاد الدولي المعاصر أن نسلط الضوء على طبيعة هذه المناهج. وبصفة عامة يمكن القول بأن المناهج التكنولوجية في التجارة الدولية عبارة عن تحليل ديناميكي لقانون النفقات النسبية، تشرح وتفسر نمط التجارة الخارجية بين الدول في ذلك النوع من المنتجات الذي يعتبر نتيجة مباشرة للتغيرات التكنولوجية.

 

هذه التغيرات التكنولوجية تأخذ إما شكل اختراع أو شكل تجديد. أما الاختراع فيأخذ صورتين هما: إيجاد سلعة أو منتج جديد لم يكن معروفا من قبل، أما التجديد فيأخذ شكل تحسين نوعية ومواصفات المنتج القائم بحيث يكون أكثر قبولا ً للمستهلك من الناحية الاقتصادية.

 

ويترتب على حدوث الاختراع أو التجديد أو كلاهما اكتساب الدول صاحبة الاختراع أو التجديد لميزة نسبية في إنتاج إحدى السلع الموجهة أساسا ً إلى السوق الداخلي.

 

ومن نتيجة ذلك أيضاً قيام الدولة المخترعة بتصدير هذه السلع إلى الأسواق الخارجية لتمتعها بمزايا نسبية ذات طبيعة احتكارية وقتية لفترة زمنية محددة تعرف باسم( الفجوة التكنولوجية)

 

وتدافع هذه الدراسة عن قدرة المناهج التكنولوجية على تفسير نمط التجارة الخارجية بين الدول في السلع كثيفة التكنولوجية نظرا ً لما تتضمنه هذه المناهج المفسرة لنمط التجارة الدولية على كثير من العناصر والأفكار التي اشتملت عليها غيرها من النظريات الأخرى، وفي مقدمتها نظرية ليندر Linder في تشابه الدخل أو التفضيل، نظرية رأس المال البشري أو الإنساني، ونظرية اقتصاديات الحجم. ويمكن البرهنة على صحة هذا الرأي بالرجوع إلى النقاط التالية:

1 تؤكد كل من المناهج التكنولوجية ومنهج رأس المال البشري على الدور الهام الذي يلعبة عنصر العمل الماهر في الصناعات المتقدمة تكنولوجياً.

 

فالخلاف بين هذين الفكرين لا يتعلق بحجم الدور الهام الذي يلعبه هذا العنصر، وإنما ينحصر أساسا في مدى تقديرها للدور الذي يمكن أن يلعبه رأس المال المادي Physical Capital في التأثير على نمط التجارة الخارجية بين الدول.

 

فالمناهج التكنولوجية تؤكد على أهمية رأس المال البشري، وتتجاهل الدور الذي يمكن أن يلعبه رأس المال المادي وهي بصدد بحث العوامل المفسرة لنمط التجارة الخارجية بين الدول، وتعتمد في تفسيرها على قدرة رأس المال المادي على التنقل دوليا ً، وبالتالي إمكانية حصول كافة أطراف التبادل الدولي عليه، وعلى النقيض من ذلك تركز نظرية رأس المال البشري كعناصر إنتاجية ومحددات أساسية للتخصص والتبادل الدوليين.

 

يضاف إلى ذلك تباين أنواع التحليل الاقتصادي الذي يستخدمه كل من هذين المنهجين.

 

فمذهب رأس المال البشري يتخذ من التحليل الاستاتيكي منهاجا له، في حين تعتمد المناهج التكنولوجية على منهج التحليل الديناميكي باعتباره محورا متكاملا.

 

فهذه المناهج الأخيرة تجعل من التغيرات التكنولوجية ووفورات الإنتاج الكبيرة الأعمدة الرئيسية لاختلاف المزايا النسبية المكتسبة وقيام التجارة الخارجية بين الدول خلال الفترة الزمنية للفجوة التكنولوجية.

 

2 تحتوي كل من المناهج التكنولوجية ونظرية ليندر في تشابه الدخل أو التفضيل ونظرية اقتصاديات الحجم على عناصر مشتركة تتمثل في التأكيد على ضرورة توافر سوق داخلي كاف كشرط ضروري لقيام الصناعات التصديرية والاستفادة من مزايا اقتصاديات الحجم في الدول الصناعية المتقدمة، ولقد كان ذلك دافعا لهيرش S .

 

Hirsch- وهو أحد مفكري المناهج التكنولوجية في التجارة الدولية – إلى القول بأن التفسير الذي قدمه ليندر لنمط التجارة الحخارجية بين الدول يجد مجالا خصبا له في تحليل التجارة الخارجية في المنتجات الصناعية كثيفة التكنولوجيا. ويرجع ذلك إلى أن هذه السلع تصمم في ضوء ظروف الطلب الخاصة باقتصاديات الدول الصناعية المتقدمة.

 

كذلك لم يكن غريبا ً أن جمع هاري جنسون H. G. Johnson كلا من نموذج دورة المنتج، ونموذج الفجوة التكنولوجية، ونموذج اقتصاديات الحجم تحت اسم( حساب أو نظرية التكنولوجيا الجديدة في التجارة الخارجية Account of foreign trade Neo- Technology.

 

وتتضمن خطتنا القادمة لدراسة المناهج التكنولوجية في التجارة الدولية إلى استعراض الفروض الأساسية للمناهج التكنولوجية مقارنة بالفروض الأساسية لنظرية هكشتر – أولين لنسب عناصر الإنتاج.

 

ثم ننتقل بعد ذلك إلى تحليل هذه المناهج وكيفية تفسيرها لنمط التجارة الخارجية بين الدول.

 

ثم ندعم تحليلنا لهذه الدراسة بتقييم هذه المذاهب في ضوء النتائج التي توصلت إليها الدراسات التطبيقية، وعلى أساس إدخالها لكثير من ظواهر العالم الواقعي في التحليل الاقتصادي، مثل التطورات التكنولوجية، اقتصاديات الحجم والتفرقة بين الدول الصناعية المتقدمة والدول النامية، وظاهرة الاستثمارات الأجنبية ودور الشركات متعددة الجنسية في تنمية التجارة الخارجية بين الدول، ثم أخيرا ً دراسة العلاقة بين المناهج التكنولوجية والدول النامية.

أضف تعليق

كود امني

تجربة رمز تحقق جديد

البحث